إيرميلا.. أجمل امرأة فى ألمانيا .. حامد عبد الصمد


حامد عبد الصمد
اكتشفتها بالصدفة أثناء جولة بالسيارة فى شرق برلين. امرأة فى نهاية الخمسينيات من عمرها ترسم الجرافيتى على جدار أحد المنازل. نزلت من السيارة لأرى ما كانت ترسم. كانت مجرد شخابيط. "ماذا تفعلين؟" سألتها بحذر. استدارت وقالت مبتسمة "أمحو بعض القاذورت". النازيون الجدد فى شرق برلين رسموا صليباً معقوفاً على الجدار، وجاءت إيرميلا لتمحوه. لم يكن منزلها، لكنها معنية بالقضية.
علبة سبراى الجرفيتى لا تفارق حقيبة إيرميلا. منذ عام 1992 تتجول المرأة البشوشة فى شوارع برلين وتمحو العبارات العنصرية من فوق الجدران والأعمدة. فى الصباح تعمل كمربية بإحدى الحضانات وفى نهاية النهار كـ "عاملة نظافة فكرية" كما تسمى نفسها. هو عمل تطوعى ألزمت به إيرميلا نفسها منذ أن قرأت على أحد جداران برلين عبارة "أرسلوا الأتراك إلى أفران الغاز!" كانت الوحدة بين شرق ألمانيا وغربها لا تزال فى المهد فى أوائل التسعينات وقد ظهرت جماعات النازيين الجدد وصارت تبحث عن عدو جديد فجعلوا من المهاجرين فى ألمانيا عدواً لهم وصاروا يلطخون الجدران بعبارات عنصرية. قاموا بحرق بيت للاجئين وحرق منزل عائلة تركية ثم بدأوا فى تعقب أصحاب البشرة السمراء فى الشوارع. كانت موجة قوية من الكراهية انكسرت مرة أخرى فى منتصف التسعينات بعد أن ضيقت الشرطة الألمانية الخناق على اليمين المتطرف.
إيرميلا وُلدت فى نفس العام الذى انتهت فيه الحرب العالمية الثانية، وهى لا تستطيع أن تفهم كيف يظهر الفكر النازى فى ألمانيا مرة أخرى بعد الكارثة التى أسقطت النازية ألمانيا وأوروبا كلها فيها. ولكنها تعلم أن دائرة النازيين اليوم ضيقة وأنهم لا يستطيعوا أن يغووا الألمان للعنصرية مرة أخرى. ولكنها تحاول أن ترى المسألة من وجهة نظر المهاجرين. "كيف يشعر التركى أو اليهودى أو الأفريقى حين يقرأ عبارة احتقار له أو لبلده أو دينه؟" هذا هو الدافع الذى يجعل إيرميلا لا تتخلف يوماً واحداً عن محو العبارات والرموز العنصرية من على الجدران حتى فى عطلة نهاية الأسبوع. "أريد أن أكون أسرع من النازيين. أريد أن أمحو العبارات الجارحة قبل أن يقرأها المعنيون بها".
تتعرض إيرميلا لاعتداءات ومضايقات مستمرة بسبب موقفها من النازيين، فقد تعرضت مرة للضرب بآلة حادة على رأسها أصابتها بارتجاج فى المخ، وهى تتلقى باستمرار تهديدات بالقتل. وقد حُررت ضدها بلاغات عديدة بتهمة إتلاف ممتلكات خاصة وعامة، فهى لا تستأذن صاحب منزل أو شركة قبل أن تمحو الرموز والعبارات المسيئة من عليها، و تقول دائماً "إذا تكاسلوا هم عن محو القاذورات الفكرية، فلا يلوموا إلا أنفسهم". هى تقوم بتصوير العبارات العنصرية قبل وبعد طمسها وتنظم معارضاً على نفقتها الخاصة وتلقى محاضرات فى المدارس للتحذير من النازيين.
إيرميلا معروفة فى كل أقسام الشرطة فى برلين. رجال الشرطة يحبونها ويحترمون ما تفعل، لكنهم لابد أن يطبقوا القانون. "هل من الممكن أن تفعلى ما تفعلى دون إتلاف ممتلكات الغير؟" يسألها رجال الشرطة نفس السؤال كل مرة وهى ترد بنفس الإجابة كل مرة "بإمكانك إصلاح أى شئ تلف بكل سهولة إلا كرامة إنسان جُرحت حين يقرأ عبارة عنصرية"!
كنت سعيد جداً أنى ساهمت فى إعداد برنامج تليفزيونى على القناة الأولى الألمانية عرّف المجتمع الألمانى بهذه المرأة الشجاعة وساهم فى إقناع بعض الشباب بتبنى أسلوبها فى محاربة العنصرية. إلتقينا فى نفس البرنامج بأعضاء من الحزب النازى الجديد وسخرنا منهم ومن أفكارهم. ونفس البرنامج اتهمه بعض المسلمين بألمانيا بالعنصرية لأنه ينتقد أيضاً بعض الظواهر السلبية داخل مجتمع الهجرة الإسلامى. فالعنصرية ليست دائماً عنصرية الأغلبية ضد الأقلية فقط، لكن بعض المسلمين يحبون أن يتكلموا عن حقوق الإنسان فقط  مادامت حقوقهم هم وحرية العقيدة مادامت عقيدتهم هم، ويحبون الحديث عن العنصرية فقط طالما كانت هذه العنصرية موجهة ضدهم هم.   
"الديمقراطية والمجتمع الحر يعيشان بشروط ودعامات لا يخلقها القانون وحده" عبارة شهيرة  لفيسلسوف دستورى ألمانى يسمى "بوكنفوردى". إيرميلا وأمثالها هم النواة الحقيقية للديمقراطية. المواطن الحر الذى ينظر بعين النقد لمجتمعه ولا يستسلم لللامبالاة هو أكبر ضمان للحفاظ على مجتمع ديمقراطى. الإيمان بأهمية الفضاء العام واقتطاع جزء من وقت المواطن للعمل العام لا يقل أهمية عن دور مؤسسات الدولة.
المادة الأولى من الدستور الألمانى تقول "لا مساس بكرامة الإنسان"، وقوانين عدة تجرم العنصرية وانتهاك حقوق الإنسان. لكن لا جدوى من مثل هذه المواد والقوانين إلا إذا كان هناك مواطنون يحترمون القانون و يدافعون عن كرامة وحقوق غيرهم كما يدافعون عن كرامتهم وحقوقهم.           

نحو الجنون .. صلاح المُر




صلاح المُر
أنا من الذين إذا أعجبتهم أغنية استمعوا لها في اليوم مائة مرة .. وإذا أعجبتهم رواية أعاد قرأتها مرات ومرات... المهم، كلفني أخونا محمد هاشم بعمل غلاف، وبشكل روتيني أقوم بقراءة النص لأمسك بخيط أو أكثر لصنع الغلاف،  بدلاً من أن أمسك بالنصوص أمسكت هي بي؛ مجموعة من القصص التي أمسكت بتلابيبي، الحروف الكلمات الجمل صنعت عندي الصور أشاهدها وأستمتع بتفاصيلها، الأحداث أشارك فيها، فأجدني أختفي في بئر السلم، وأختفي في خزانة الملابس، أتلصص من ثقب المفتاح، ولا أفوت شاردة ولا واردة، أضيف من عندي ضوء خافت، كستارة ملونة... أشياء بسيطة تزيد من متعتي من دون أن تكون الرواية في حاجة مني لهذه الإضافات الساذجة. ولكني أضيفها!
المهم... أنجزت الغلاف وسلمته لهاشم ولم ينتهي الأمر.. فأنا أقرأ للمرة الثانية وبنفس المتعة نحو الجنون مجموعة قصص لمنصورة عز الدين!

أوجيني... حلم .. رامي يحيى




كتب - المواطن رامي يحيى
"أوجيني" فتاة فرنسية تستطيع وبسهولة أن تعمل كنموذج لسمعة الجمال الفرنسي، شابة يافعة -18 سنة- اختارت بمحض إرادتها أن تترك عاصمة النور وتأتي لعاصمة الضوضاء من أجل أن تتعلم العزف على آلة العود.
تعرفت على "أوجيني" في مقهى التكعيبة في بداية الألفية الثالثة.. جمعنا معًا مقهى التكعيبة وحب شوارع وسط المدينة ليلًا عشق الموسيقى والبانجو علاوة على.. حب من طرف واحد، وبالطبع كنت هذا الطرف.
ليس في هذه العلاقة التقليدية الخالية من التفاصيل ما يستحق الحكي سوى حلم، نعم حلم حلمته بعد عودة "أوجيني" إلى عالمها بقرابة السنة.. وكأن عقلي الباطن قد احتاج لكل هذه المدة لكي يتمكن من تجهيز سيناريو يليق بهذه الفتاة النموذج.
شاطئ رملي مشمس.. مياه هادئة رائقة.. سماء صافية وبعض السحب البيضاء المتناثرة.. وألحان غجرية تأتي من مكان غير معلوم.. سرير معلق من الشبك تملأه أوراق الورد، رقصنا كثيرًا ولعبنا أكثر ولم يكن بيننا وجود لغة منطوقة حتى يظهر هذا الحاجز اللغوي السخيف، كان الأمتع من وجودنا معًا هو إقبالها الشديد علّي، كانت هي المبادرة طوال الوقت.. هي التي تسعى إلى تقاربنا حد الالتصاق، لدرجة إننا حين كُنا على ظهر اليخت السابح بسلاسة على سطح الماء لم أقف كثيرًا أمامها رغم الأنوثة المتفجرة داخل البكيني الأصفر الكناري، فتجاوزت الشازلونج المستلقية فوقه ووقفت على حافة اليخت أشرب كوكتيل الفواكه الاستوائية القوي مرتديًا شورت فضفاضًا زاهي الألوان، فما كان منها إلا أن قامت من مكانها واحتضنتني من الخلف تاركة نهداها، عن حب،  يفعلان أفاعيلهما مع ظهري العاري، في هذه اللحظة تحديدًا ظهرت في رأسي فكرة وكان صوتها أعلى من صوت المتعة، فكرة واقعية واعية تقول أن ما يدور ليس منطقي على الإطلاق وبالتالي لابد وأن يكون كل هذا مجرد حلم ليس أكثر، فبدلا من أستمتع بالنهدين النافرين في ظهري ثم أستدير وأرفع مستوى المتعة إلى عنان الإنسان.. وجدت عقلي يؤكد لي أنني أحلم، فانتهى الحلم لفوره.. ضاعت المشاهد الساحرة.. توقفت الموسيقى الغجرية.. تبخرت أوجيني.. وجدتني أستيقظ وحيدًا في سريري الواسع المهجور.. حزينًا لانتهاء الحلم.. غاضبًا من عقلي الواعي الذي أستكثر عليَّ الاستمتاع حتى في المنام.

من رواية كلب بلدي مدرب .. محمد علاء الدين




محمد علاء الدين
في ليلة من احدى الليالي، قالت لي جدتي العجوز ان احضر لها رطلا من اللحم بقيمة قرش صاغ.
حاولت ان استوعب ما تقول، ولكنها اعتدلت فوق سريرها واكملت بحسم:

“خليهم 4 رطل لحمة باربعين قرش علشان سي ابراهيم، وجيب شوية تفاح على عنب علي رمان وشكل براحتك قول بخمستاشر قرش،  بصل وثوم وفلفل وخيار وخضار قول بخمسة صاغ، وشوية جاز وبن وسجاير كوتاريللي رفيع، قول سبعة صاغ، رطلين سمن وارز وقوطة ودقيق وعيش بتلاتين صاغ. يبقى الاجمالى سبعة وتسعين قرش ويتبقى معاك تلات قروش.. تجيبهم وما تخنصرش.. فاهم؟”

 كنت اقيم مع الجدة قبل وفاتها، وكانت تقيم معنا خالتي التي لم تتزوج بعد. جاءت الخالة ساعتها واكدت لها ان حفيدها الطيب سوف ينزل حالا لاحضار الطلبات وانه لن يغيب. رضا سي ابراهيم (جدي رحمه الله) هو الشيء الأهم بالطبع.  شدتني من ذراعي وخرجت بي من الغرفة، وورائنا الجدة التي جلست بهمة منتصبة الظهر، ومليئة بالحماس والنشاط.

“شوية وح تنسى.. انزل انت بقي شوية”
“اروح فين؟”
“روح مطرح ما تروح يا اخي، لو سمعت صوتك ح تفضل تنادي عليك”.

نزلت لاتمشى بغير هدى، وصادفت صديقين او ثلاثة، وفكرنا في ان نذهب للعب الكرة، نادينا علي صديق ثالث، وفكررنا في رابع يمتلك كرة: جوافة. محمود جوافة، الذي تأكد اسم شهرته الذي يقاومه حين مر بائع الجوافة بعربته تحت باب البيت، وصدح بالنداء:

“ايوة يا جوافه”، لتبرز امه من باب البلكونة هاتفة بحنق:

“عايزين ايه م الوله الله يقطعكوا..”

لم نجد جوافه، قال لنا اخيه الصغير انه في مشوار. هكذا قتل موضوع لعب الكرة تماما. تسلينا بالبقاء قليلا علي ناصية الشارع، وعندما رجعت للبيت، كانت جدتي قد ماتت.
بدا الامر وكأنه تلبية لامنية مؤكدة، فقد اتصل بها صديق لي سائلا عني، فقالت له ان يدعو لها، فسألها الصديق ببراءة عن مضمون الدعاء الذي سيكون مستجابا بعون الله، قالت:
“ادعيلي ربنا ياخدني بقي”
بالفعل حدث ذلك، وعاني الصديق بعدها بقليل من اعراض الاسكيزوفرينيا.

هكذا وارى التراب جسد الجدة التي كانت تريد رطل اللحم، وعندما وقفت في العزاء لم اضحك علي المقرئ مثلما يحدث لي عادة، كل ما ملك تفكيري ساعتها، فيما اتذكر، ان الجدة العجوز قد احكمت حسبة الجنيه فعلا، وانها قد رحلت الى لقاء ربها ظانة اني قد “خنصرت” الثلاثة قروش. 

وبعد قليل من الحزن والصراخ، صارحتني خالتي سمية انها تريد الزواج من المهندس محمود الذي يقبع في محله لقطع غيار السيارات غير بعيد عنا، والذي اتي لدفع تكاليف “الدفنة” و”الخارجة” بشهامة لا يتورع عن ابرازها بوضوح لتلقي المديح، وبملامح قديس مضحي. 
قالت لي الخالة ان الاسطي قال لها انه لا يصح طبعا ان يقيم معهما شاب. كنت يتيما تقريبا: ماتت والدتي منذ امد بعيد، وابي كان يعيش في مدينة اخري بعيدا. قال لها انه يمكنني ان اذهب للمعيشة مع ابي. قالت لي انها رفضت هذا تماما

“انت ابن بطني يا احمد”

وهكذا قالتها مثل محسنة توفيق في ليالي الحلمية، وكنت انا شاكرا، لأن فكرة الاقامة مع ابي لم تكن شيئا مبهرًا، كنت ابنًا ماتت امه بعد شهور قليلة من ولادته، ويما ان كل الذكور الذين يتزوجوا اناث هذه العائلة-فيما يبدو-يقمن معهن، فقد اضطر ابي لمغادرة البيت بعد موت السيدة التي كانت أمي. كانت لي جدة للأب ايامها، ولكنها لم تستطع ان تراعيني، وفضلت خالتي وجدتي لأمي-كما فضل ابي كما تستطيع التخمين- ان فرع الأم هو الأولى برعايتي. لك اكن ابن بطنها اذا ما تكلمت عن اللحم والدم، ولكنني كنت فعلا ابن بطنها اذا ما فكرت في كل المعاني الاخرى.

 قالت لي انها اتصلت بالاب واخبرته باحتمالية ان اجي له، الاب الذي لم يمانع ولم يتحمس، قال لها انني يمكنني ان آتي واقيم مع زوجته اللحيمة واخواتي الاثنين. بالطبع لم اذهب.

مرت الاربعين يوم وتزوجت خالتي بالباشمهندس، الذي كان سببا في كراهيتي للفنان صباح فخري وللاستاذ السياسي وحيد عبد المجيد، فقد كان يشبههما تماما، بذات الانف العجيبة والشعر الخفيف المسرح للجانب في محاولة متوسلة لقهر الصلع الذي تفشى. زاد على هذا بعض اثار الجديري التي اصابته قديمًا وجعلت وجهه محفرًا في غير موضع. 
كانت الخالة مشغولة في فترة تاريخية امتدت لسنتين في طبخ الطواجن التي ترسلها لمكتب الباشمهندس، وكان هو مشغولا بمحاولة التزاوج-علي حد علمي وتخيلي- وبأن يجعل حياتي جحيمًا، ولم يبخل عليّ ابدًا بعباراته الحكيمة التي تبلورت حول بضعة مفاهيم اساسية، كما يمكنك أن تتفكر:

“الواد ده مش ح ينفع يطلع مهندس”
“الكسل اللي انت فيه ده ح يوديك ف داهية”
“انت حاطط كتب التسالي دي جوا كتاب الدراسات الاجتماعية وعامل نفسك بتذاكر وبتستغفلنا؟”
“خليك في مجلة سمير وميكي دي اللي ح تبوظلك دماغك”
“هو مين الواد اشرف ده؟ واخته الكبيرة البيضا دي في كلية ايه؟”
“ما تجيبلي علبة روسمان”

حدث جديا ان فكرت في ترك المنزل، وحدث فعليا ان هاتفت أبي فحادثتني حبال صوتية لا اعرفها ولا تعرفني، وصدف ان تجدني الخالة في شوارع منزوية هاربا، ولكن سرد كل هذا يبدو وكأنه قصة مأساوية مليودرامية وجان فالجان ستايل، لذا فسأرحمك مما يمكنني ان اسود صفحات كثيرة به، وسأقول لك ان بعد السنتين، لم يخيب الباشمهندس أملي وكان نذلا، عندما ترك الخالة بسبب عقمها.

كانت تلك الايام البعيدة هي السبب الذي جعلني مدينا لها للأبد، فقد كانت حسرة عمرها هي اسعد اخبار مراهقتي. 



 عندما برز من الفراغ امام البائع، وطلب منه علبة سجائر من وراء خوذته السوداء اللامعة، بذلك الصوت الهادئ، لم يتمالك البائع نفسه ونتظر له بدهشة، قبل ان يمد يده ليحضر له ما طلبه.
يعطيه النقود، ويتحرك ماشيا في الشارع، تجاه ما حسبه البائع دراجته النارية القابعة غير بعيد عن المتجر، ولا شك.
ولكن عبد الله، مرتدي الخوذة، كان يمشي في هدوء متقدما في الشارع، وهو لا يلوي علي شيء.
هذه بالظبط نفس الفكرة التي انتابت كل من رأه في هذا اليوم، بلا شك هو يمضي لحيث الموتوكسيل، فيما عدا بعض من الناس، الذين ادركوا ما يحث بحكم الظروف فحسب: العم ادريس البواب، الذي بحكم معيشته في نفس العمارة، كان يعرف ان عبد الله لا يملك اي موتوسيكل، وقف مراقبا اياه وهو يمشي في الشارع واضعا يديه في جيوبه مصفرا، وماضيا في طريقه الي اخر الشارع قبل ان ينحرف يمينا خارجا عن مدي بصره. يمكنك ان تضيف علي هذا سيدة فضولية اهتمت بان تراقب ذو الخوذة وهو يوقف تاكسي في احد الشوارع، وهو ما يزال مرتديا خوذته، بعدما استمر في المشي لمسافة لا بأس بها وعبر بموتوسيكل مركون بجواره بالفعل.
ويمكنك اضافة سائق التاكسي نفسه، الذي وجد الشاب ذو الخوذة يشير اليه ويقول:
“المعادي؟”
وركب الشاب معه الي حيث المعادي دون ان ينزع خوذته، حتي عندما اراد التدخين، فقد وضع السيجارة في فمه عبر الفتحة الكبيرة في مقدمتها، ساندا اياها علي “حز” الفتحة، فانتصبت الي اعلى بحكم انخفاض فم عبد الله عن الفتحة قليلا، وهي تصدر دخانا كثيفا.
كان خط سير عبد الله اعتباطيا للغاية، كان يتمشي قليلا فحسب، قبل ان تقفز الي دماغه فكرة ان يزور صديق بعيد في المعادي، وعندما ذهب هناك لم يجده، فتمشي قليلا في الشوارع الهادئة، وداخله شيء من هدوء النفس، صحيح انه لم يجعله ينزع الخوذة ليواجه العالم القاسي، ولكنه كان كافيا لجعله يسلم علي المارة من حوله احيانا بلطف، وبنبرة منتعشة فاجئته هو نفسه كما فاجئت المارة عادة.
وعندما رجع، كان العم ادريس قد قام بالواجب، فقد كانت هناك عربة ميني فان صغيرة ترقد بجوار البيت، وعندما اقترب عبد الله ليدخل البيت كان هناك ثلاثة من الرجال الاشداء يقفزون عليه، مكبلين اياه ومجرجرينه الي حيث العربة. كان هذا قرار الاب رغم اعتراض الام، فقد بلغ ادمان الفتي وعاداته الغريبة حد لا يمكن السكوت عليه.
وفي المصحة، قال لي عبد الله عن الضرب والسحل الذي تعرض له- والذي اعتبره الاب من ضلالات الفتي- وكيف كان يعامل معاملة الكلاب.

هكذا لم يكن غريبًا في يوم، ان وجدت محمولي يدق بعد الواحدة بقليل، وعندما نظرت للشاشة وجدت اسم عبد الله.

“ألـ..”
“انا هربان! انا هربان! انا هااااااااااار *صوت خبطات متتابعة عجيبة لم اعرف ما هي* باااااااااااااااان”

كان عبد الله يكلمني من امام المنزل، وكان يضرب براحته اليمني الكبيرة علي رأسه الاصلع، ويعوي في الطريق.

“الله يخرب بيتك استنى…”

وضعت بلوفر فوق البيجاما، خرجت الي الصالة حيث الخالة، نظرت لي متحفزة وهي تقول:

“هو ده الواد الشمام ده تاني؟!”
“معلهش يا خالتي ده غلبان…”

انطلق صوتها في شراسة وبنبرة اوبرالية

“لااا! باقولك ايه!! ده شمام ومنحرف! ده يموتنا علشان يجيب الزفت اللي بياخده! انت مجنون ولا ايه!”

ومن الخارج كان عبد الله ما يزال يصدح

“انا هربااااااااااااااااااااااااااان”

“يا خالتي بس هو مالوش مكان دلوقت، تلاقيه هربان م المصحة!”
“وكمان هربان م المصحة! واحنا مالنا! اهله فين!”
“طيب طيب.. سيبك، انا نازله…”

تركتها ونزلت للشارع، بينما هي تقول من ورائي

“وانت ايه يلمك ع الاشكال دي؟ اوع تكون بتشم ياض انت كمان…”

كانت ليلة ليلاء، كان هائجًا ومتعبًا في ذات الوقت، وكنت بالبيجاما والبلوفر، ولم تكن خالتي علي استعداد لأن يبيت الليلة. اقتسمنا السجائر وكمنا في المدخل، فكرت بعدها ان اغير ملابسي ونمصي في طريقنا لأي مكان، ولكنه فجأة امسك بذراعي وقد استحالت اصابعه الى مخالب، وهتف بي:
“ما تسبنيش يا احمد.. ما تسبنيش…”

“وانت عامل ايه؟”
بدا لي السؤال غبيا فعلا وهو يجلس امامي، في الشقة التي استأجرها حديثا بنقود امه، ليجهز سطرا ليستنشقه. لم يكن سكوته عن سؤالي من باب الادب والرفق، لانني اظن انه لم يسمعني من الاصل. سحب السطر بنشوة كبيرة، وتراجع مسندا ظهره الي ظهر كرسيه وقد ابتدأت خفونه في الاضطراب. راقبته قليلا، وانا اشرب من علبة البيرة الصفيحية في يدي، يفتح عينيه ويحك انفه بظهر يده، قائلا في مرح
“اخبار القصص السكس ايه يا ماو؟”
كان يعرف انني اكتب القصص الجنسية، وبدا الامر وكأنه اضافة لعادة عجيبة تملكتنا قديما: حين كنا نراجع معلومات بعضنا عن نجمات البورنو اللاواتي شكلن جزءًا كبيرًا من ايامنا في خوالي الايام. بدأ الموضوع حين وجدت صفحة الويكيبيديا المخصصة لنجمات البورنو، وقرأت فيها عن تلك الفتاة التي كنا نحبها ايامها. وجدت نفسي اتصل بعبد الله بعدها بساعة:
“احا يا عبد الله.. فاكر البت بتاعة الافلام السكس اللي اسمها كلوي جونز؟!”
“اه”
“دي ماتت من اربع سنين!”
“آه”
“وكان عندها صرع من وهي ١١ سنة! احا! احنا كنا بنضرب عليها عشرة وهي بتشيل ف الافلام وهي عندها صرع اساسا!”
“الدنيا وحشة يا ماو”
هكذا لم يقدر الاكتئاب الذي تملكني لمدة يوم كامل بسبب هذه الحقيقة، ولكنني كنت اقدر له عندما اسأله:
“فاكر البت ديفون؟”
“مش دي البت الشقرا ام بزاز كبيرة اللي كانت بتبص ف عين اللي بينيكها وتسبل؟”
ويستمر الحوار حول سيلفيا ساينت التشيكية الشقراء، واريا جيوفاني فتاة البنت هاوس معبودة الجماهير، الامريكية التي تبدو كالايطاليات، وجينا جايمسون، ملكة البورنو، ايطالية الاصل التي تبدو كالايرلنديات، و ايشا كارييرا الانتاج الالماني الياباني المشترك، وبريانا برانكس الانتاج البافاري الامريكي المشترك، ولاني باربي الكندية التي اشيع انها تضاجع اخاها.
وهكذا ايضا كان يتذكر ليا دا ميا، نجمة البورنو التشيكية التي كانت عضو فريق السباحة الاولمبي في بلدها، والتي ماتت، كشأن عدد كبير من نجمات البورنو، بورم في المخ وهي صغيرة.

“بس الله يرحمها كانت بتشيل من ورا بكفاءة”

 يقولها عبد الله وهو يلف سيجارة حشيش “علشان يعلى” بعدما اخذ اربعة من سطور الكوكايين.

قبل ان تموت ليا، صنعت اختها موقعا اليكترونيا صارحت فيه المحبين بحقيقة مرض اختها، وعن احتياجها لتبرعات تكفي لتغطية ثمن العملية الباهظة الثمن، فقد كابرت اختها واستمرت في العمل كما يليق بالمحترفات حتي وهي في اوائل المرض ولكنها بالفعل لا تستطيع العمل في لحظتها. الامر المثير بالنسية لي ان وجدت رسائل مليئة بالحب علي هذا الموقع، من اناس مثلي ومثل عبد الله، قضوا بعض من الليالي والايام ينظرون لجسد التشيكية المدهش، وقضوا اوطارهم وراء تلك الفكرة البعيدة ان يحوزوها في اسرتهم يوما ما. ترك لها احدهم رسالة يبلغها انه قد تبرع لها بمبلغ بسيط، وانه شاكر جدا “لكل هذه المتعة التي منحته اياها”.

“بص، هو المهم انك عارف تجيب فلوس من لسعة الدماغ دي”

يبدو لي مفارقا ان يتكلم عبد الله عن لسعة الدماغ، بينما هو متهدل هكذا في كرسيه.
تناولت الجوينت منه، واخذت نفسين بعمق.
  


دخلت الى حيث قادني علاء، وفوجئت انه، وبجوار كومبيوتره المعتاد، كان قد رص اربعة كومبيوترات اخرى علي طاولة كبيرة بطول الغرفة امامي.
“هو ده علشان ايه يا لول؟”
وجدت نفسي اتسائل.
نظر إلي نظرة من يعرف أن الأمر سخيف، وانطلق كالعادة ليبرر الموضوع:
“فاكر حوار تحميل الطوابع؟”
“علي قناة اليو تيوب؟”
“آه” صمت للحظة ثم أكمل :
“اهو انا جايب الاربعة دول يحملوا معايا..”
“هي نقلة طوب؟”
“لا يا عم دي فعلا بتساعد”
“طب ما انت ممكن تظبط حاجة في الجهاز ده (اشرت لجهازه) بحيث يعمل الشغل كله.. بدل الصرف”
“يا عم مش صرف، كل واحد كلفني… هممممم.. كل كيسة ٥٠٠ وكل شاشة ٣٠٠، يعني ٨٠٠ في ٤ يبقي.. همممم… ٣٢٠٠ جنيه.. مش فلوس يعني!”

استرجعت ذكرى بعيدة، حين اقترضت منه الفان من الجنيهات، وتكاسلت شهرا، فجعلها فضيحة لدى القاصي والداني، ولكنني لم اتوقف عند هذه الصغائر، فقلت:
“ماهو ممكن اقل من الفلوس دي، وكمان تبقي اسهل في جهاز واحد..”
“يا عم انا اتجننت خلاص”
قالها لي بحسم، نظرت له، تابع
“تشرب ايه؟؟”
“بيبسي!”

خرج الي حيث الثلاجة، رجع بعلبة البيبسي، وجلس امامي، ليلعب في وجنته مقشرا بشرة وهمية عنها.
كان اللول صديقي منذ سنوات بعيدة، كان مخرجًا في احدي القنوات الخاصة، ولكن حدث ما حدث، واضطر للإستقالة، وبعد الاستقالة اضطر لبيع الشقة الواسعة التي ابتاعها في احدى الكومباوندات الفاخرة خارج المدينة، ولم يكن يسكن بها حتى، ثم اضطر لبيع عربته مؤخرا. وها هو الآن يستمتع بشقته الصغيرة التي نجلس فيها، في اول شارع فيصل.
“بص، الفيلم ده لو اتعمل ح يكسر الدنيا”
هكذا قال بعدما اتم فرك وجنته، كنت اعلم عما يتحدث بالضبط: كانت فكرة قديمة في دماغه، عن شاب رومانسي يحب فتاة ما، ولكن الفتاة تصاب بمرض عضال، فيحدث الفراق لأنها لا يمكن آن تسمح لنفسها بالتعلق بها وهي تموت.
“غادة الكاميليا يعني!”
هكذا قلت عندما قال لي الفكرة في اول مرة. نظر لي للحظة ثم قال
“بالظبط.. بس من غير الاب”
“ماشي”
“هو الجو ده اللي بياكل معانا في مصر، انت عارف…”
والآن، يحادثني اللول الآن عن ذات الفيلم، قضى وقت لا يستهان به في محاولة انتاجه ولكن لا أمل حتى الآن.
“ربك كريم”
“لا بجد بقي.. السيناريو اللي كتبته حلو فعلا، وانت عارف انا ح اعمله ازاي!”
هو فعلا موهوب فيما اظن، وفيما ظن اساتذته في المعهد، ولكنهم، وفيما يبدو، قد منحوه هذا التدليل الزائد مبكرًا. قال لي مرة، بينما نحن نجلس علي القهوة
“انت بقي تعرف ويليام شكسبير كان يقصد ايه في روميو وجولييت؟”
“ايه يا لول؟”
“ان جوز عيال هِبل ممكن يوقعوا الكبار ف بعض”
بالفعل، ان راجعت المسرحية، ستجد ان الموضوع كان اعتباطيا للغاية، يكاد روميو الصغير ان يقع في غرام بنت صغيرة اخرى قبل ان يقابل جولييت. 
تابع بحماس:
“طب الملك لير؟”
“الحب وحش؟!”
“الديكتاتور لازم يفضل ديكتاتور، لو بطل ح يطلع دين امه”.

هكذا كان اللول يبهرني دائما بتفسيرته المختلفة، ومن اجل ذلك كنت دائما احادثه لنجلس ونتحدث، خطر هذا في بالي، فسألته وانا اجرع من البيبسي
“طب بالمناسبة يا لول، انت دايما بتقرا القصص بطريقة تانية، اشمعني غادة الكاميليا اللي غادة الكاميليا؟ طب ما تطلع هي ولية لبوة فعلا وبتبيعه، أو مثلا هو مش بيحبها بس عايز فلوسها؟”
نظر لي لثانية ثم قال
“يا عم الناس هنا حمير، مش ح يفهموا اللي انت بتقوله ده خالص”
“طيب”
“المهم انا عايز اعمل برنامج الرقص الشرقي ده ونرفعه ع اليو تيوب، ح تيجي التصوير ولا لأ؟”
“طبعا.. بس قولي الترافيك عامل ايه؟|”
“حلو، بعتولي النهاردة ايميل صحيح من جوجل، ما تبصلي عليه كده”

يذهب اللول الي حيث الكومبيوتر بحماسة، يفتح لي الصفحة، ويتركها امامي لاترجم له ما يريده سيد العالم الجديد منه.
………………………..

من رواية  كلب بلدي مدرب- تصدر قريبا من دار العين